الفيروز آبادي
305
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
الظّلم على من لم يتب ، ولا أظلم منه بجهله بربّه ، وبحقّه ، وبعيب نفسه ، وبآفات أعماله . وفي الصّحيح : ( يا أيّها « 1 » النّاس توبوا إلى اللّه ؛ فإني أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة ) ، وكان أصحابه يعدّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم : ( ربّ اغفر لي وتب علىّ إنّك أنت التّواب الرّحيم ) مائة مرّة ، وما صلّى صلاة قطّ بعد نزول سورة النّصر إلا قال في صلاته : سبحانك اللّهمّ ربّنا وبحمدك ، اللّهمّ اغفر لي . وقوله تعالى : ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ ) يريد بالتّوبة تمييز البقيّة « 2 » من العزّة : بأن يكون المقصود من التّوبة تقوى اللّه ، وهو خوفه ، وخشيته ، والقيام بأمره ، واجتناب نهيه ، فيعمل بطاعته على نور من اللّه ، يرجو ثواب اللّه ، ويترك معصية اللّه على نور من اللّه ، يخاف عقاب اللّه ، لا يريد بذلك عزّ الطّاعة ؛ فإنّ للطّاعة والتّوبة عزّا ظاهرا وباطنا ، فلا يكون مقصوده العزّة ، وإن علم أنها تحصل له بالطّاعة ، والتّوبة . فمن تاب لأجل أمر فتوبته مدخولة . وسرائر التوبة ثلاثة أشياء هذا أحدها . والثاني نسيان « 3 » الجناية . والثالث التّوبة من الإسلام « 4 » والإيمان . قلنا المراد منه التّوبة من رؤية التّوبة « 5 »
--> ( 1 ) الحديث رواه مسلم كما في رياض الصالحين في باب التوبة بلفظ « يا أيها الناس توبوا إلى اللّه واستغفروه فانى أتوب إلى اللّه في اليوم مائة مرة » . ( 2 ) كذا . وكأنه يريد فصل بقية العزة ونفيها . وقد يكون البقية محرفة عن ( التقية ) أي التقوى . والغرض أن التوبة تتمحض للتقوى وتميزها من العزة . ( 3 ) هذا يكون لمن وصل إلى مقام الصفاء مع اللّه ، فلا ينبغي له أن يذكر حالته الأولى . يعبر عن هذا المعنى بعض الصوفية بقوله : ( لانى إذا كنت في حال الجفاء ، فنقلنى إلى حال الوفاء فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء ) . ورد هذا في مبحث التوبة في الرسالة القشيرية . ( 4 ) يريد ألا يرى له فضلا بأعمال الاسلام والايمان ( 5 ) ا ، ب : « اليوم »